شمس الدين السخاوي
188
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = والمال إن لم ينفع صاحبه ضرَّه ولا بد . وكذلك العلم والملك والقدرة ، كل ذلك إن لم ينفعه ضرَّه ، فإن هذه الأمور وسائلُ المقاصد يتوسَّل بها إليها في الخير والشر ، فإن عطلت عن التوسل بها إلى المقاصد والغايات المحمودة توسل بها إلى أضدادها . فأربح الناس من جعلها وسائل إلى الله والدار الآخرة ، وذلك الذي ينفعه في معاشه ومعاده . وأخسر الناس من توسَّل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة ، فخسر الدنيا والآخرة . . . » . وقال - أيضاً - بعد كلام طويل : « ومسألة المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر مسألة كثر فيها النزاع بين الأغنياء والفقراء ، واحتجَّت كل طائفة على الأخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار . ولذلك يظهر للمتأمل تكافؤ الطائفتين ، فإن كلاًّ منهما أدلت بحجج لا تُدفع . والحق لايعارضُ بعضه بعضاً ، بل يجب اتباع موجب الدليل أين كان . وقد أكثر الناس في المسألة من الجانبين ، وصنفوا فيها من الطرفين ، وتكلم الفقهاء والفقراء والأغنياء والصوفية وأهل الحديث والتفسير ، لشمول معناها وحقيقتها للناس كلهم ، وحكوا عن الإمام أحمد فيها روايتين ، ذكرهما أبو الحسين في كتاب « التمام » فقال : مسألة الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر في أصح الروايتين . وفيه رواية ثانية : الغني الشاكر أفضل . وبها قال جماعة ، منهم ابن قتيبة . ووجّه الأولى واختارها أبو إسحاق بن شاقلا ، والوالد السعيد . والتحقيق أن يقال : أفضلهما أتقاهما لله - تعالى - . فإن فُرض استواؤهما في التقوى : استويا في الفضل . فإن الله - سبحانه - لم يفضِّل بالفقر والغنى ، كما لم يفضل بالعافية والبلاء ، وإنما فضَّل بالتقوى ، كما قال - تعالى - : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ . . . } [ الحجرات : 13 ] . والتقوى مبنية على أصلين : الصبر والشكر . وكلٌّ من الغني والفقير لا بدَّ له منهما ، فمن كان صبره وشكره أتم ، كان أفضل . فإن قيل : فإذا كان صبر الفقير أتم ، وشكر الغني أتم ، فأيهما أفضل ؟ قيل : أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله . ولا يصحُّ التفضيل بغير هذا البتة . فإن الغني قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره . وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغني في شكره . فلا يصح أن يقال : هذا بغناه أفضل ؛ ولا هذا بفقره أفضل . ولا يصح أن يقال : هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر ، ولا بالعكس ؛ لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما . =